سليمان أبو ستة يكتب: إسرائيل وخطر الزوال..بين الحقيقة والمبالغات

0 356

زوال إسرائيل أمنية تراود الكثير من أنصار فلسطين، وقد سيطرت على كثيرين حتى باتوا أسرى ( تفكير رغائبي- wishful Thinking ) جعلهم في كثير من المحطات يخضعون لأحلام وردية تقنعهم أنها زائلة لا محالة.

عاش الفلسطينيون هذه الحالة عقب النكبة مباشرة، في ظل خطاب عربي كان يهنئ سمك القرش بما ينتظره من خير وفير عند إلقاء إسرائيل في البحر، وقد تأثر أولئك بهذا الخطاب لدرجة أن بعضهم رفضوا عقب النكبة أن يشتروا أراضي ويؤسسوا بيوتا، على اعتبار أن اللجوء مرحلة مؤقتة، وأن الاحتلال زائل قريبا.

ورغم أن هذه القناعة ما زالت مسيطرة على كثيرين فإن البعض قد تأثر سلبيا بتلك الأحلام الوردية، فبات ينكر كلية إمكانية زوالها -على الأقل في المنظور القريب- لأسباب، أهمها فارق القوة العسكرية والعلمية، ورسوخ التحالفات التي تربط بين الكيان والمنظومة الغربية، وانهزامية كثير من الأنظمة والجيوش العربية.

وربما كان حديثنا في هذا الميدان وهما بعيدا عن التحليل المنطقي لولا ما يصدر من تصريحات عن مسؤولين صهاينة يحذرون من خطر وشيك يتهدد إسرائيل، فقد ذكر رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك في مقال أنه يخشى أن تنزل بإسرائيل لعنة العقد الثامن التي أصابت دولا يهودية سابقة كدولة داود أو دولة الحشمونائيم.

وكان رئيس الوزراء الصهيوني السابق بنيامين نتنياهو قد أعلن عام 2017 أنه سيجتهد من أجل ضمان أن تعمّر إسرائيل 100 عام، وأن هذا ليس بديهيا، لأنه لم يسبق لدولة يهودية بلوغ الـ80، وهو ذاته ما حذر منه لاحقا رئيس وزراء الاحتلال الحالي نفتالي بينيت.

أما وزير الحرب الإسرائيلي بيني غانتس فقد قال إن المخاوف من سيطرة الفلسطينيين على إسرائيل في المستقبل ليست بعيدة عن الواقع، وإن إسرائيل ستتقلص خلال السنوات المقبلة لتصبح بين مستوطنتي غديرا والخضيرة.

أما يوفال ديسكين الرئيس السابق لجهاز الشاباك فقال إن إسرائيل لن تبقى إلى الجيل القادم، ولم يقتصر الأمر على مسؤولين إسرائيليين، فقد أعرب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب عن اعتقاده بأنه سيتم القضاء على إسرائيل.

كما أن صحفيين ومفكرين وكتّابا صهاينة قد عبروا عن قلق مشابه، فقال الجنرال في الاحتياط شاؤول أرئيلي إن إسرائيل فشلت في تحقيق وتجسيد الحلم الصهيوني، وهي تسير في طريق فقدانه، فيما قال الصحفي آري شافيط إن إسرائيل تلفظ أنفاسها الأخيرة، أما الكاتب جدعون ليفي فقال إنه لن يستطيع أحد وقف عملية التدمير الذاتي الداخلي الإسرائيلي، فمرض إسرائيل السرطاني قد بلغ مراحله الأخيرة ولا سبيل لعلاجه.

بدوره، أكد المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس أن إسرائيل مكان ستغرب شمسه وسيشهد انحلالا أو غوصا في الوحل، وخلال سنوات سينتصر العرب والمسلمون ويكون اليهود أقلية في هذه الأرض، إما مطارَدين أو مقتولين.

وهذه المواقف لا يمكن أن تتواتر بهذا الشكل لولا وجود شعور حقيقي بخطر الزوال، فليس من الطبيعي أن نسمع عن دولة -مهما كانت ضعيفة أو تعيش ظروفا قاسية- يتحدث أغلبية قادتها عن قرب زوالها عن الخريطة.

تنبع مخاوف الإسرائيليين من خطر الزوال من مجموعة من الأسباب المهمة والخطيرة، سواء على دولة إسرائيل لوضعها الحساس كأقلية محتلة في وسط عربي معادٍ، أو على غيرهم من الأمم التي تعيش وضعا سويا، ومن أهم هذه الأسباب:

تعيش إسرائيل هذه الأيام انقساما غير مسبوق، حيث تتشرذم القوى البرلمانية التي من المفترض أن تشكل الحكومة إلى مجموعة كبيرة من الأحزاب تكتلت في كتلتين رئيسيتين لم تستطع إحداهما بلوغ الأغلبية إلا بالتحالف مع قائمة عربية، في سابقة خطيرة من وجهة نظر كثير من الإسرائيليين، فقد أدت أزمة الحكم المتواصلة منذ مارس/آذار 2019 إلى إجراء 4 جولات انتخابية انتهت أخيرا بالحكومة الحالية التي يرأسها نفتالي بينيت، وهي خليط عجيب يمتد من أقصى اليمين الاستيطاني المتطرف إلى أقصى اليسار، مرورا ببعض النواب العرب.

ومع ذلك، فإن هذه الحكومة تعد من أخطر مؤشرات ضعف إسرائيل لأسباب، منها: أنها تعتمد على أغلبية ضئيلة جدا، حيث بإمكان نائب واحد أن يتحكم فيها ويسقطها متى شاء، كما أن رئيسها ليس معه إلا 6 مقاعد، في مفارقة لم تشهدها ديمقراطية -إن صح اعتبار إسرائيل ديمقراطية- من قبل، فكيف تكون الديمقراطية معبرة عن رأي الجمهور فيما رئيس الحكومة لا يمثل إلا 6 مقاعد من أصل 120 مقعدا؟

والأمر الثالث أن بينيت عاجز عن ضبط هذه الحكومة، فكل وزير من وزرائها يتصرف كما يشاء دون ضابط ولا رقيب، ولا أحد يعده ممثلا لمكونات تلك الحكومة، بل إنهم اضطروا لتعيينه في هذا المنصب فقط من أجل النجاح في إقالة نتنياهو، وبالتالي ليس لها أي ناظم سواه، وبمجرد اختفائه سيتفكك تحالفهم ويتخلون عن بينيت.

وإضافة إلى ما سبق فإن إسرائيل تفتقد اليوم كفاءة قادتها المؤسسين، فالساسة الحاليون فاسدون وانتهازيون وحريصون على مصالحهم بالدرجة الأساسية ومستعدون لفعل كل الموبقات من أجل الفوز بالحكم، وهو ما جعل الباحث السياسي أفرايم غانور يصف حال الإسرائيليين بأن الأرض تهتز تحتهم غاضبة وقلقة وهم واقفون يشاهدون أمة ممزقة ومجتمعا منقسما، ينتظرون منقذا ومعجزة تنشلهم مما هم فيه من كراهية مشتعلة تحرق كل جزء من الدولة.

وهو ما لمسه نتنياهو فاستثمر قلق الإسرائيليين منه لإقناعهم بأنه البديل المناسب، حيث قال في مسيرة للمعارضة خاطب فيها الائتلاف الحكومي “أنتم تتسببون بالضرر للهوية اليهودية، اذهبوا إلى بيوتكم لأنكم ضعفاء، أنتم ضعفاء في وجه إيران، أنتم ضعفاء في وجه الإرهاب، وعندما تظهر الحكومة الإسرائيلية ضعفا نرى أعداءها يرفعون رؤوسهم، إسرائيل تحتاج فورا إلى قيادة قوية”.

يلاحظ كل من يراقب إسرائيل فقدان جيشها الاستعداد للتضحية، وخوفه من الخسارة البشرية، وإدمان الهدوء، والاعتماد الكامل على سلاح الجو، لدرجة أن خطة خداع كبرى فشلت في معركة سيف القدس، لأن الجيش لا يريد المخاطرة بعملية برية على أطراف قطاع غزة، مما مكن المقاومة من كشف تلك الخطة وتجاوزها، وهو ما ظهر في منتهى الوضوح بعد مقتل جندي إسرائيلي على حدود غزة قبل أشهر، حيث هاجمت عائلته الجيش وقادته بمنتهى القسوة رغم أنهم كانوا في أعراف المجتمع الإسرائيلي دائما أبطالا ورموزا مقدسة، وهو ما انتقده رئيس الأركان أفيف كوخافي، معتبرا أن الأمة التي تفقد الاستعداد للتضحية تتعرض للهزيمة.

وكان اللواء احتياط في الجيش الإسرائيلي إسحاق بريك قد انتقد حساسية جيشه للخسائر البشرية، وتراجع الروح القتالية، وتآكل الاستعداد للتضحية بالنفس، وتوجه الجنود للخدمة في الوحدات غير القتالية، وفقدان الثقة في القادة، وعدم جاهزية سلاح البر للحرب، وهي الأمور التي عدها تقود إسرائيل للهاوية.

يعيش الإسرائيليون قلقا كبيرا من تنامي قوة المقاومة الفلسطينية، وانتشار الإيمان بها كفكرة ومثال، ففي غزة جرأة كبيرة وقدرة على المبادرة كما ظهر ذلك في المعركة الأخيرة، وتحدٍ واضح لإسرائيل، وامتلاك لقوة الردع حيث باتت إسرائيل عاجزة عن ممارسة سياسة الاغتيالات أو سياسة المعركة بين الحروب التي تقضم من خلالها قوة الخصم، كما أن غزة باتت تهدد في كل حدث مهم بالعودة لميدان القتال، كاقتحام الأقصى أو ذبح القرابين أو اجتياح مخيم جنين.

لكن أخطر ما تراه إسرائيل هو نجاح المقاومة في الربط بين الساحات الفلسطينية المختلفة، حيث بات الاحتلال يرى في فلسطينيي الداخل خطرا كبيرا في أي معركة قادمة، وهو خطر ملح لدرجة أنه يخوض التدريبات ويضع الخطط لمواجهته، كما تتصاعد جرأة المقدسيين الذين باتوا يرون لهم في غزة نصيرا، وباتوا يهتفون باسم قادتها كمحمد الضيف، ويواجهون أي اقتحام للأقصى بقوة وعزيمة، كذلك الأمر في الضفة، خاصة ما يجري في مخيم جنين حيث يتحدث الجيش الإسرائيلي عن ضرورة استخدام المروحيات في مواجهة مقاتلي المخيم، لعجزه عن اقتحامه دون خسائر في صفوفه.

وكل هذه المخاطر تتزامن مع تصاعد المواجهة مع الأعداء الإقليميين للاحتلال كإيران التي باتت من خلال حلفائها تحيط إسرائيل من الشمال والجنوب والشرق، وهو ما يجعلها معرضة لخطر عشرات آلاف الصواريخ من لبنان وسوريا والعراق واليمن وإيران، فيما تقف إسرائيل عاجزة عن وقف البرنامج النووي الإيراني، وفي الوقت ذاته ترى تخلي واشنطن عن حلفائها كما جرى في أوكرانيا، وانسحابها من المنطقة كما جرى في أفغانستان.

كل ما سبق يضع إسرائيل أمام مخاطر وجودية، ويدفعها للتساؤل عن مصيرها المحتوم، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه مصير قريب أو بعيد، وإنما خطوة في طريق انحدار يتسارع أو يتباطأ فقط بفعل أولئك الراغبين في إزالتها.

المصدر:الشادوف+الجزيرة نت

سليمان سعد أبو ستة

كاتب وباحث أكاديمي فلسطيني

المقالات الواردة فى باب الرأي تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن الموقع وسياساته التحريرية

المشاركات الاخيرة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.