أحمد حسن الشرقاوي يكتب : ذكريات زمن فات .. في بلاط صاحبة الجلالة !

0 845

في العام 1998 تمت الاطاحة برئيس مجلس إدارة وكالة أنباء الشرق الأوسط ورئيس تحريرها ( مصطفى نجيب ) وجاء مكانه الصحفي الكبير الأستاذ (محفوظ الأنصاري).. كنت فى تلك الفترة صحفيا شابا في الثلاثين من عمره، ومر على عملي فى المؤسسة نحو 5 سنوات.
بعد أيام قلائل من استلام الأستاذ محفوظ الأنصاري لمنصبه على رأس المؤسسة، كنت أعمل مشرفا في قسم النشرات الاقتصادية، وكان معي فى الشفت 4 زملاء من بينهم 3 متدربين لم يتم تعيينهم بعد، أحدهم كان متميزا للغاية، خريج كلية الاعلام بجامعة القاهرة ومتفوق ومثقف ورأيته صحفيا واعدا من أول لحظة جاء للعمل معنا في القسم. كان اسمه ( أحمد مكي )
كان يوم جمعة صيفي معتدل، وكانت الشمس تضيء المكان، ويندفع شعاعها داخل نفوسنا ليملأها أملا وطموحا فى المستقبل، كان جدولي فى ذلك اليوم الإشراف على الشفت الصباحي الذي ينتهي غالبا بعد صلاة الجمعة.
بعد أداء الصلاة فى المسجد الملاصق لمقر الوكالة في شارع هدى شعراوي بباب اللوق بالقاهرة، قمت بتسليم الموضوعات المؤجلة للشفت القادم لهذا الزميل الواعد ( أحمد ) الذي سيقوم بتسليمها للزميل المشرف على شيفت بعد الظهر.
في تلك الوردية التي لا أنساها ، قمت بنشر خبر عن تشكيل لجنة برئاسة جمال مبارك نجل الرئيس حسني مبارك لإدارة البنك العربي الافريقي الدولي بصورة مؤقتة ولحين تعيين رئيس جديد للبنك يحل محل ( أحمد البردعي ) الذي استقال مع المدير العام للبنك وعدد من كبار المسؤولين . لجأ البنك المركزي لتعيين لجنة مؤقتة لإدارة دولاب العمل اليومي في البنك على رأسها جمال مبارك عن الجانب المصري، والدكتور فهد الراشد عن الجانب الكويتي، لأن البنك كان مملوكا مناصفة بين الجانبين المصري والكويتي مع حصص صغيرة لبنك الرافدين العراقي وبنوك عربية أخرى بحصص صغيرة للغاية.

لوجو وكالة أنباء الشرق الأوسط (أ.ش.أ)


بحكم أنني المشرف على النشرة الاقتصادية، قمت بنشر الخبر الذي حصلت عليه بنفسي بدون الرجوع لأحد، وتقديرا للموقف لأن الخبر فيه اسم نجل رئيس الجمهورية ( تخيل اليوم خبرا فى أ ش أ فيه اسم محمود السيسي )، قمت بإرسال الخبر الى نائب رئيس التحرير المسؤول عن النشر فى كل أقسام الوكالة الذي قام بالتأشير على الخبر: ( يذاع فى النشرة العامة والنشرات الاقتصادية).
طمأنت نفسي، وقلت أن جهدي فى الحصول على الخبر لم يضع سدى، وتركت لزميلي المتدرب بقية الأخبار، وعدت الى البيت لتناول الغداء مع أسرتي وأولادي، ولنخرج سويا بعد الغداء.
ما كدت أصل الى البيت حتى بادرتني زوجتى بأنهم اتصلوا بك من الشغل 4 مرات، وفي ذلك الوقت لم يكن المحمول قد ظهر وانتشر فى مصر، قلت: نتغدى الأول ثم أكلمهم براحتي!
ما كدت أضع أول لقمة من الغداء في فمي حتى رن التليفون، قمت من طاولة الطعام لأرد على التليفون، فجاء صوت زميلي المتدرب ( أحمد مكي) الذي قال أن اتصالا ورد للوكالة على النشرة العامة بخصوص خبر جمال مبارك، وانهم استدعوه للرد على المتصل الذي تبين انه ( اسماعيل حسن ) محافظ البنك المركزي المصري.. وسرد أحمد كيف تعامل معه محافظ البنك المركزي بفظاظة طالبا معرفة اسم المصدر المسؤول فى البنك المركزي الذي تمت نسبه الخبر اليه بدون ذكر اسمه، وأن الزميل أحمد أوضح له انه ليس هو من حصل على الخبر ، لكن المحافظ ألح فى الطلب وارتفع صوته فما كان من الزميل المتدرب إلا أنه نهره قائلا: أنا لست موظفا عند حضرتك فى البنك المركزي ، وأنا لا أعرف مصدر الخبر ولا أقبل أن تتحدث معي بتلك النبرة.
شعرت بالفخر الشديد من هذا الاعتداد بالنفس الذي ينم عن شخصية صحفية من الطراز الأول الى جانب مهاراته فى الكتابة وثقافته وأشياء كثيرة أخرى. شكرته وأثنيت عليه، وقلت له ( ولا يهمك، انت قمت بالرد على الوجه الصحيح، وسوف أقف الى جانبك حتى النهاية)..


أغلقت السماعة معه، ولم أكد أبدأ فى استئناف تناول الغداء حتى جاء اتصال جديد من مقر الوكالة، وهذه المرة من زميل يدعى جلال وهو مشرف على وردية النشرة العامة ظهيرة الجمعة، وهو نفس المنصب الموازي لي فى النشرة الاقتصادية، تحدث جلال مرعوبا لأنه هو من قام بنشر الخبر، وقال لي، جاءتنا اتصالات من رئاسة الجمهورية وزكريا عزمي ومكتب الرئيس ومن البنك المركزي، واتصل منذ قليل الأستاذ محفوظ الانصاري، واعطانا رقم تليفون الشاليه بتاعه فى الساحل الشمالي ورقم تليفونه المحمول، وطلب أن تتصل به فورا ليعرف من هو مصدرك فى هذا الخبر؟!
قلت له: هل قال لك ذلك، قال نعم، لسه قافل التليفون معايا، كلمه واشرح له الموقف.
قلت: لن أكلم أحدا، هو يريد معرفة مصدري وأنا لن أقول له مصدري الذي حصلت منه على هذا الخبر. قال جلال بنبرة خبيثة: براااحتك !
عدت لتناول غدائي لكنني اكتشفت أنني فقدت شهيتي تقريبا لانشغال عقلي بكل هذا الضغط العصبي والنفسي، وبينما بدأت أشرب الشاي، إذ رن جرس التليفون الأرضي، وجلبت زوجتي التليفون لي على طاولة الطعام، وجاءني صوت رزين يحاول أن يكون هادئا من الطرف الآخر: هل هذا منزل أحمد حسن الشرقاوي؟! قلت نعم: أنا أحمد حسن الشرقاوي، فقال: أنا محفوظ الأنصاري !! (هنا تيقنت ان الزميل جلال قام بالواجب معي وسارع للاتصال برئيس التحرير ليبلغه أنني رفضت الاتصال به رغم أنه بلغني بطلبه، بل أنني رفضت أن آخذ رقم تليفونه المحمول رغم أن هذا أمنية أي صحفي انتهازي ومتسلق.. المهم أنني قررت بيني وبين نفسي أن أكون هادئا معه لتخفيف أثر هذا الإسفين الذي وضعه جلال بيني وبين الرجل الذي لم أتعرف عليه بعد)
قلت: أهلا ياريس.. ماذا حدث؟ خير إن شاء الله.
قال: هل أنت من أعددت الخبر الخاص بجمال مبارك، وهل أنت من قمت بنشره؟!
قلت: نعم..
قال: هل أنت متأكد أن الخبر صحيح؟! هل قمت بترجمته من وكالة أنباء أجنبية أو من مجلة أجنبية وكده؟
قلت: لا يا ريس، أنا جلبت الخبر من مصدر حقيقي ، ولأنه خبر مهم نقلته رويترز عن وكالة أنباء الشرق الأوسط، وهذا أمر جيد!
قال: جيد آه.. بس ده خبر فيه اسم ابن الرئيس.. عارف يعني إيه ابن الرئيس؟! وعارف يعني إيه إن الخبر يطلع غلط ؟!
تدخلت هنا، وقلت بحسم: اصبر بس ياريس.. هذا الخبر حصلت عليه من مصدر مسؤول في البنك المركزي المصري، وهذا المصدر شارك في اتخاذ قرار تشكيل لجنة في اجتماع البنك الأخير أول أمس الأربعاء. وأنا مسؤول عن صحة ودقة كل حرف ورد فى هذا الخبر.
انفجر بركان الهدوء المكتوم لدى الطرف الآخر، وقال بلهجة آمرة وحازمة: مين مصدرك يا أحمد.. بطل كلام كتييير !!!
قلت: يا فندم حضرتك صحفي كبير وتعلم أنني أستطيع حماية مصدري بحكم القانون ..
( ويبدو أن كلامي كان مفاجئا للأستاذ محفوظ الأنصاري) الذي زفر زفرة ضيق وغيط وقلة حيلة، وقال كمن يهديء من روع نفسه مضطرا مجبورا، وقال : انت خريج إيه يا أحمد؟
قلت: أنا تخرجت من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة عام 1989، بتقدير جيدا جدا.. وعُينت فى الوكالة في مسابقة عام 1993..
قال: يعني انت متعين في الوكالة من 5 سنين !! وأين كنت تعمل طوال السنوات الماضية، قلت فى قسم النشرات الانجليزية حيث نترجم النشرة العامة من اللغة العربية الى اللغة الانجليزية.
قال: متى انتقلت للقسم الاقتصادي؟!
قلت: منذ عدة شهور بعد أن تولى رئاسة القسم الأستاذ / أحمد شوقي الذي انتقل من رويترز ليعمل فى ( أ.ش.أ ) بعد خروجه على المعاش.
قال: أنا عاوز أشوفك.. ولازم أعرف مين مصدرك.. انت فاهم ؟!
قلت: تحت أمر حضرتك، وبالمناسبة أنا أول مرة اتكلم مع حضرتك، واؤكد لك أن الخبر صحيح، وأن للخبر مصدر معروف ومسؤول، وإذا كان الخبر غير صحيح، وإذا لم يكن هناك مصدرا حيا يرزق هو من أعطاني الخبر، فانني مستعد أن ترفدوني تماما من العمل كصحفي في الوكالة !!
قال: انت باين عليك لمض، عموما ما تستعجلش على الرفد، بكره الصبح الساعة 8 بالدقيقة تكون عندي فى المكتب.. عاوز أشوف شكلك واعرف اللماضة دي جايبها منين!!
قلت: تمام حاضر ياريس.. بكرة إن شاء الله أكون عند حضرتك فى الموعد بإذن الله.
في تلك اللحظة شعرت ان الموضوع صار أكبر مما تصورت لأن جمال مبارك كان عائدا للتو من لندن، وكان النظام يفرض ستارا من السرية والتكتم على نشاطاته وأعماله المستقبلية فى مصر، ويبدو أن الخبر أصاب وترا حساسا عند النظام بمجرد بثه على الوكالة ونقلت وكالة رويترز عن الوكالة الرسمية المصرية هذا الخبر الكبير بالمعايير السياسية وقتها.. ( بداية ظهور فكرة توريث الحكم في مصر )
في تلك اللحظة، تذكرت أنني اتبعت الاجراءات عندما عرضت الخبر على أعلى مسؤول تحريري فى المؤسسة ( نائب رئيس التحرير المناوب)، وانه قام بالموافقة على النشر بشكل مكتوب.
كان أرشيف الأخبار فى الوكالة يسمى ( قسم الحفظ ) وكان الموظف بلدياتي وقريبي من العائلة اسمه ( سامح الشرقاوي)، اتصلت به وقلت له يا سامح: احتفظ بنسخة من الخبر بتوقيع النائب، وأنا فى الطريق اليك للحصول عليها.
تناولت الشاي مسرعا وأخذت سيارتي ( كيا برايد- موديل 1998) التي اشترتها بالتقسيط من أحد عروض نقابة الصحفيين ) .. صعدت الى مبنى الوكالة ودخلت صالة التحرير، وكانت نظرات جلال تتابعني بنوع من الحسد والحقد والغيظ الشديد.. المهم، حصلت على نسخة الخبر الموقعة، وعدت للبيت وقمت بإعداد مذكرة باسم رئيس التحرير عن ظروف وملابسات الخبر، وتوكلت على الله وذهبت يوم السبت في ميعادي في السابعة صباحا، وباشرت عملي كالمعتاد.
عندما اقتربت الساعة من الثامنة صباحا، قبيل 4 دقائق من الثامنة تقريبا، وجدت النائب الأول لرئيس التحرير المرحوم الأستاذ / محمود أحمد ، مع الأستاذ / فتحي شريف المسؤول عن قسم المندوبين مع الأستاذ / أحمد شوقي رئيس القسم الاقتصادي، عليهم رحمة الله جميعا.
وطبعا، عشان أقرب لكم الموضوع، الأستاذ محمود أحمد هو مدير سابق ناجح لمكتب الوكالة فى واشنطن، وهو الرجل الثاني فى المؤسسة بعد محفوظ الانصاري، وفتحي شريف هو مدير سابق لمكتب الوكالة فى بيروت، وكان أنيقا ودبلوماسيا ويبدو ببدلته الصفراء الفاقعة والكرافتة الحمراء زاهية اللون مع منديلها المناسب يبدو ابن باشوات، ثم الأستاذ / أحمد شوقي مديري المباشر، وكلهم تجاوزوا السبعين من العمر بينما لم يكن عمري قد تجاوز الثلاثين حينذاك.
جاء الى هؤلاء الياوران الثلاثة تفوح منهم رائحة العطر وكأنهم عادوا لتوهم من حفل استقبال رسمي أو أنهم على وشك الانخراط فى شيء من هذا القبيل.
ذهبت معهم كمن يساق الى المقصلة أو غرفة الإعدام، وكان الصمت سيد الموقف.. كنت أسير أمامهم، وكانت يد فتحي شريف على كتفي كمن يريد أن يمنحنى طمأنينة لم يكن متأكدا من إمكانية حصولها !!
أدخلوني الى غرفة رئيس التحرير، ووجدت غرفة فسيحة وفي منتصفها مكتب فخم يجلس عليه شخص يشبه البطة، وله وجه أحمر مثل الديك الرومي، ويضع على عينيه نظارة طبية ( نصف إطار ) من تلك النوعية المخصصة للقراءة، ويمسك سيجارا كبيرا بيده بينما يتصفح البريد اليومي ( البوستة) التي جلبها له مدير مكتبه..
رمقني بنظرة خاطفة من تحت نظارة القراءة، ثم عاد لتصفح سجل البريد الورقي أمامه، وقال: أنت أحمد الشرقاوي.. عرفتك.. وكنت بشوفك فى مقر النقابة أيام معركة القانون 93 .. انت وقعت فى أرابيزي !!

الأستاذ كامل زهيري نقيب الصحفيين الأسبق خلال مناقشات القانون 93 لسنة 1996 وفي الخلفية الزميل هشام فؤاد فك الله أسره


( سادت لحظة صمت، ولم أنطق ببنت شفة.. بينما كان هو يقلب الأوراق المعروضة عليه مستاءََ وينتظر مني أن أبادر بالكلام، ولكنني لم أفعل )
قال: من هو مصدر الخبر يا شرقاوي؟!
قلت: حضرتك عارف إن أنا ما أقدرش أقول اسم مصدري..و.. )
قاطعني بانفعال شديد: وقام بضرب يده بشدة على المكتب وقال بصوت عال للغاية: ( أنا رئيس تحريرك وباقول لك مين مصدرك.. !!)
نظرت الى منفضة السجاير، ورأيت كيف كانت خبطة يده على المكتب كفيلة بالاطاحة بالسيجار على سطح المكتب، وهرولته لالتقاطه وإعادته لمكانه على المنفضة قبل أن يقع على الأرض.. ويبدو أنه- رحمه الله، شعر بالاحراج مني لأنني لم أتحرك ولم أنطق بكلمة في مواجهة هذا الانفعال الزائد!!
في تلك اللحظة، بحثت عن الياوران الثلاثة ( محمود أحمد وفتحي شريف وأحمد شوقي) فوجدتهم اختفوا وكأن الأرض انشقت وابتلعتهم من الغرفة بأكملها..تركوني لمصيري لأنهم يعرفون أن اللقاء لن يكون سهلا بيني وبينه )!!
سادت نصف دقيقة من الصمت المهيب.. 30 ثانية طويلة للغاية، كنت أستحضر في نفسي خلال تلك المدة الطويلة نسبيا، كل ما تربيت عليه من الرجولة والشهامة ورفض الظلم، وأتحضر للخطوة التالية: لو قذفني بمطفأة السجاير، هل الأفضل أن أقذفه بالكرسي المواجه لمكتبه، أم أحاول أن أقلب المكتب كله فوق رأسه.. في كل الأحوال: أنا مرفود.. فليكن للرفد ثمن..
قطع تلك الأفكار الشريرة، قيام الأستاذ الأنصاري برن الجرس ليأتي عامل البوفيه الخاص بمكتبه، ثم وجدت الأستاذ الأنصاري يقول لي: لماذا لم تجلس؟!
قلت: حضرتك لم تقل لي اجلس..
قال: ونعم الأدب.. اتفضل اترزع يا سي أحمد.. وتابع بصوت هاديء: انت يا بني مش عارف الخبر بتاعك ده عمل فينا إيه.. أنا راجع من الساحل الشمالي امبارح الساعة 2 بالليل، وتقريبا ما نمتش عشان الميعاد ده.. وطول الوقت اتصالات مع الريس ومع زكريا عزمي ومع محافظ البنك المركزي.. الريس عاوز يعرف مين مصدر الخبر؟!
كانت لهجة الكلام وصوت الأنصاري توحي بأنه قرر التخلي عن الطريقة الصعبة أو العنف فى التعامل معي وانه لجأ الى الطريقة الأكثر نعومة..وأنا قلت لنفسي هو جنح للسلم.. خلينا نشوف آخرتها إيه معاه !!
قلت: يا ريس .. حضرتك عاوز تفهمني إن الرئيس مبارك وأركان الدولة كلهم عاوزين يعرفوا مصدر الخبر اللي انا نشرته امبارح..!!
قال: نعم.. أيوه يا سيدي، وكلهم بيتكلموا معايا وانت جاي تقول لي مصدري والاحتفاظ بمصدري؟ وانت أصلا مش فاهم القانون: حماية مصدرك فى المحكمة أو في الافصاح عنه لوسائل الاعلام الأخرى، لكن أنا مديرك ورئيس التحرير، ومن حقي أعرف مصدرك.. وده اللى كان مفروض يحصل قبل ما ننشر الخبر..
قاطعته بالقول: تمام ياريس.. كلام حضرتك صحيح، لكن في ضوء كلام حضرتك برضو أنا دلوقتي بقيت خايف على سلامة المصدر وأمنه، مش بس أن أنا أفقده كمصدر لأخباري المستقبلية.
قال بلهفة كمن جاءته نجدة من السماء: اطمن أنا أوعدك إنك لو قلت لي اسمه إن ما فيش أي حاجة تحصل له، والكلام ده من بق الرئيس مبارك شخصيا..
قلت على الفور: مصدري هو الدكتور / ( أحمد الغندور) عضو مجلس إدارة البنك المركزي المصري، وهو كان مشاركا فى اجتماع الأربعاء لمجلس إدارة البنك المركزي، وقد راجعت بنفسي مكتب محافظ البنك المركزي السيد اسماعيل حسن ( آنذاك) بخصوص هذا الخبر طوال يوم الخميس وأرسلت لهم الخبر عبر الفاكس، وقلت لهم أنني ما لم أتلق تعقيبا على الخبر بنهاية يوم الخميس سوف أنشر الخبر صباح يوم الجمعة.. ولم يأتيني التعقيب بالنفي أو بالتأكيد.
( كان ينظر لي باستغراب شديد أثناء رواية تلك الوقائع )
بادرني بالقول: وانت تعرف الدكتور أحمد الغندور منين.. ووصلت له إزاي؟!
قلت: هو أستاذي، كان عميدا لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية وقت أن كنت طالبا بها ويعرف نشاطاتي الطلابية في اتحاد طلاب الكلية والجامعة، وعندما عملت فى الصحافة وأنا طالب كان ولا يزال أحد مصادري في المجال الاقتصادي
( تهللت أسارير الأستاذ محفوظ، وقال انتظر، ورفع سماعة التليفون الأرضي وطلب رقما بدا أنه يعرفه جيدا بل ويحفظه عن ظهر قلب:

مبنى وكالة أنباء الشرق الأوسط بوسط القاهرة
  • صباح الخير يا دكتور غندور..
    ( انا اتخضيت لأنني أعرف ان الدكتور الغندور لا يحب أن يتصل به أحد فى الصباح الباكر، لأنه غالبا يسهر ويصحو متأخرا، لكنني أيضا عرفت مدى متانة العلاقة بينهما والتي تسمح له بالاتصال به فى أي وقت بما في ذلك فى الصباح الباكر).. كنت أسمع همهمة من سماعة التليفون تجعلني متأكدا أن الدكتور الغندور هو الموجود على الطرف الثاني من الاتصال.
    ** ……….
    *( محفوظ ): أخبار البنك المركزي إيه.. كان عندكم اجتماع يوم الأربعاء الماضي..
    ** ( الغندور): ………….. ( محفوظ ينصت باهتمام للطرف الآخر على الهاتف وينظر الى ويهز رأسه، وترتسم على وجهه علامات الارتياح والرضا )
  • ( محفوظ): .. آه ما هو قال لي إنك أستاذه وكنت عميد الكلية وهو كان فى اتحاد الطلبة، وقارفك زي ما هو قارفني دلوقتي ( ينظر لي بابتسامة مصطنعة ويهز رأسه )!!
    ** الغندور ( يسترسل فى الكلام بينما محفوظ ينصت باهتمام) .. وبعد دقيقتين أو 3 دقائق
  • ( محفوظ) .. طيب يا دكتور .. نشوفكم بقى فى الساحل.. يوم الخميس لازم تتعشوا عندنا انت والدكتورة، مع السلامة ..

وضع السماعة و نظر الى وقال : انت كده براءة.. الدكتور الغندور بيوصيني عليك، وبيقول انك من الطلبة اللي لا يمكن ينساهم، انت عملت إيه معاه عشان يقول عنك الكلام الحلو ده!!
قلت بابتسامة ارتياح : أبدا.. كنت صادقا طوال الوقت ولم أكذب عليه أبدا رغم ان الكثيرين كان يمكن أن يكذبوا ليفلتوا بفعلتهم وهم طلبة عندما يستجوبهم عميد الكلية، وهذا حدث أكثر من مرة مع الدكتور أحمد الغندور الذي كان يحترم شجاعتي وصدقي.. ويغفر أخطائي بعد اعترافي بها والاعتذار عنها بكل شجاعة.
قال: واضح انه بيعتبرك زي ابنه، وبيوصيني عليك.
قلت: ربنا يكرمك ويكرمه، بس ياريس أنا أول مرة أقابل حضرتك، وانت رئيس التحرير لهذه المؤسسة وأنا صحفي فيها، وبالتالي سوف تحدث احتكاكات أخرى كثيرة في إطار العمل وأريد من حضرتك أن تعلم أنني لا أكذب، وأكره الكذب، ولا أبالي بالخسائر.. أية خسائر طالما أنني أقول الصدق، هذه مذكرة كتبت فيها ظروف وملابسات الخبر. أنا شاب في مقتبل حياتي وحصلت على خبر كبير مثل هذا الخبر، وكان يمكن أن أعطيه لوكالة أنباء أجنبية أو مكتب جريدة أجنبية فى مصر ، لكنني آثرت أن أمنحه لمؤسستي التي أعمل فيها، كما أنني اتبعت كافة الإجراءات المرعية وعرضت الخبر على نائب رئيس التحرير المناوب الذي منحني موافقة كتابية على نشر الخبر على النشرة العامة التي لا أملك أنا قرار النشر عليها.
( لاحظت أن الجملة الأخيرة شدت انتباهه) وقال: أين تلك الموافقة الكتابية التي حصلت عليها؟!!
دفعت اليه بالملف ومرفق به نسخة ضوئية من الموافقة الكتابية..
قرأ الأستاذ محفوظ الأنصاري المذكرة وتصفح الموافقة الكتابية من نائب رئيس التحرير المناوب، وقال : ولااااد الكلب !!
مين يا واد اللي كان قاعد مع محمد ( اللي هوا نائب رئيس التحرير المناوب، ومش فاكر دلوقتي اسمه كاملا ) ساعة ما خدت الموافقة دي؟
قلت له اللي يعرف الموضوع ده هو عم داوود الساعي اللي أرسلت معه الخبر ، وهو من جلب لي الموافقة المكتوبة، ولم أسأله هذا السؤال لأنه فى الحقيقة، لا يعنيني. رد الأنصاري بحزم: لكنه يعنيني أنا، ويعنيني بشدة كمان !
أرسل الأنصاري بمن يأتيه بعم داؤود، وجاء الرجل الذي بدت عليه علامات الخوف والاضطراب، فتوليت زمام المبادرة لتهدئته، لأنه كان يحبني وعندما دخل ألقى علي السلام بشكل منفرد، قلت له يا عم أحمد امبارح لما أرسلتك بالخبر ده مين كان قاعد مع الأستاذ محمد ( ) نائب رئيس التحرير المناوب ساعتها؟!
قال: كان معاه فى المكتب الأستاذ / سمير العجوز، وكان العجوز هو النائب الأول لرئيس التحرير السابق ( مصطفى نجيب)، وقد تمت الإطاحة بالعجوز ليحل محله المرحوم محمود أحمد صديق محفوظ الأنصاري !!
هنا تدخل الأنصاري: وقال شكرا يا داؤود .. تقدر تمشي.. وانصرف الرجل وهو يبتسم لي، ولا يدري ما يحدث حوله.
وبمجرد خروجه من غرفة رئيس التحرير، قال لي شوف ولاد الكلب بتوع مصطفى نجيب عاوزين يوقعوني مع الرئيس مبارك في أول أسبوع من استلام العمل فى الوكالة، خبر زي ده كان لازم يتصلوا بي ويسألوني قبل أن يتم بثه على النشرة العامة.
قلت : يا ريس.. هل تعتقد أن الأمر كان مكيدة مقصودة، قال: نعم، لكنك لست جزءا منها، وقد ثبت لي ذلك بالفعل.
استأذنته وانصرفت، وبعد دقائق أصدر الأنصاري قرارات تحريرية تتضمن وقف نائب رئيس التحرير المناوب عن العمل ومنع الأستاذ سمير العجوز من دخول مبني الوكالة خصوصا أيام الجمع والأعياد.. والتخلص من كل أعوان رئيس التحرير السابق مصطفى نجيب، وبالطبع، حصولي على ثقة رئيس التحرير الجديد، واعجابه الذي تزايد بعد دخوله معي فى مناوشات صحفية ومهنية وتكليفات حرصت على أدائها على أكمل وجه، خصوصا فيما يتعلق بمصادر الأخبار من المتحدثين باللغة الانجليزية.
كان هذا الموقف من المواقف المهمة فى علاقتي مع الأستاذ محفوظ الأنصاري، الذي بات يعرف تماما أنني صحفي مجتهد، وكانت تلك المعرفة مصدرا مهما من مصادر الارتياح والتقدير والمتبادل فى العلاقة بيننا لدرجة أنني عندما كنت أرسل خبرا مهما من لندن بدون مصدر معروف أو أقوم بتجهيل اسم المصدر لظروف معينة، ويعرضوا الخبر عليه يقول لهم: انشروا الخبر أولا وسوف أتصل بالشرقاوي لأعرف من هو هذا المصدر. لو قال لكم الشرقاوي ان للخبر مصدرا فإن للخبر مصدر، أحمد لا يكذب.
ربما تسأل نفسك: لماذا أكتب لكم هذه الخاطرة.. التي لم أحرص يوما على كتابة أمثالها رغم أن عندي عشرات القصص المماثلة، والإجابة ببساطة أنني عرفت ان الزميل الصحفي المتدرب الواعد ( أحمد مكي ) هاجر الى أمريكا، وأنه افتتح مقهى عربيا هناك وهجر العمل بالصحافة !!
لم أكن أبدا أتصور أن يكون هذا مصير هذا الصحفي الواعد الشاطر والمجتهد.. لكن هذه هي مصر.. يحتل فيها الواغش والحثالة أماكن الناس الحقيقية المجتهدة.
( الواغش يحتل المكان ويطرد كل مختلف عنه.. هدفه التخريب وهو عدو طبيعي لكل مصلح نافع ) هذه الجملة تلخص قانونا اقتصاديا حديديا مثل قانون ( العرض والطلب).. في زمن الواغش ينطبق القانون الحديدي : العملات الرديئة تطرد العملات الجيدة.. الواغش هو السوس الذي ينخر عظام مصر فى كل المجالات.. الواغش انتشر في كل مكان..
( انتهت القصة بينما الواقع مستمر بلا توقف )

أحمد حسن الشرقاوي
سياسي وصحافي مصري
نائب مدير وكالة أنباء الشرق الأوسط ( أ.ش.أ) سابقا
مدير مكتب وكالة الأنباء المصرية ( أ.ش.أ) في لندن ( 2002-2006 )


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

الآراء الواردة فى مقالات الرأي تعبر عن صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن موقع الشادوف أو سياساته التحريرية

المشاركات الاخيرة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.