بيسان عدوان تكتب لـ “الشادوف”: تهمتي بمصر أنني فلسطينية !

130

مر أكثر من خمسة عشر شهرا على قرار ترحيلي وابعادي عن مصر، ورغم النفي والوباء لم يثنيني ذلك عن المتابعة القضائية في مصر ضد هذا القرار التعسفي من قبل وزارة الداخلية المصرية.

شهور والمحكمة الإدارية ” القضاء المستعجل” تبحث قضيتي التي رفعها زملائي الحقوقيين في مصر ضد هذا القرار للطعن بعدم قانونيته وضرورة ابطاله، والسماح لي بالعودة لمصر، بعد شهور طويلة من المماطلة وعدم بيان السبب الحقيقي آو إبراز لائحة الاتهام التي استند إليها قرار الترحيل.

 جاء في لائحة الاتهام المقدمة من قبل وزارة الداخلية المصرية أن قرار الترحيل اتخذ نظرا “لترويج المدعية عليها للإلحاد عبر إقامة الندوات والمؤتمرات ووسائل التواصل الاجتماعي، والعمل على إقامة تنظيم للإلحاد، بما يهدد السلم الاجتماعي وقلب نظام الحكم” هكذا يتم تبرير قرار ترحيلي وابعادي في إطار حماية الدولة من حرية الرأي والتعبير والمعتقد.

لست في صدد الدفاع عن معتقداتي وإيماني ولا وزارة الداخلية من حقها التفتيش عن معتقداتنا ولا يحق لها باعتبارها كيانا تنفيذيا، لا يحق لها توجيه تهم تدخل في نطاق “ازدراء الأديان” وليس من حقها أن تتخذ إجراء عقابيا بالطرد والترحيل. ففي إجراء استبدادي نصبت نفسها جهة نيابية وقضائية وتنفيذية في الوقت نفسه. كما انها ضربت بعرض الحائط كل الإجراءات اللازمة لدفع القضية (في حالة وجود تهمة فعليا) أمام الجهات المختصة وصادرت الحق في الدفاع عن التهم الموجه لي.

كان على وزارة الداخلية أن تقوم بتوجيه تهمة كهذه إلى النيابة العامة والتي تباشر معي التحقيق بشأن التهم المنسوبة لي، وفي حالة ثبوت تلك التهم احالتي للقضاء، هذا بجانب آنه لا يحق لوزارة الداخلية تنفيذ قرار ترحيلي إلا بعد موافقة لجنة مختصة ذات شروط محددة، ويتم نشر القرار في الجريدة الرسمية وهذا لم يحدث مطلقا، بل تم اعتقالي فترة ثم ترحيلي من مصر بل إنهم وضعوا اسمي في قائمة الممنوعين من دخول مصر.

القائمون على الأمر في السلطات التنفيذية بمصر، حين لم يجدوا أية أسباب للترحيل حيث إنني لا انتمى لجماعة الإخوان المسلمين ولست من مؤيدي التيارات الدينية ولا الأفكار الدينية المتشددة، ولم تجد لي تهمة اخرى في حب مصر غير اتهامي بالكفر والعياذ بالله. وتلك التهم لست أول من وقع ضحيتها فهي تهم تشن على كل من له رؤي تنويرية وعلمانية مثل الدكتورة نوال السعداوي و دكتور نصر حامد أبو زيد وآخرين من المثقفين والتنويريين في عالمنا العربي، بل لم يسلم منها صحفيون وفنانون ومحامون.

لا تزال قضيتي عالقة حيث يجب التوجه للمحكمة الإدارية العادية بعد قرار القاضي بأن القضاء المستعجل ليس جهة اختصاص، وبالتالي فإننا بصدد مواجهة سنوات طويلة وإجراءات تقاضي بيروقراطية بطيئة لدحض قرار الترحيل، وبعدها دحض لائحة الاتهام العارية تماما من الصحة.

ظهرت المشكلات كلها عام 2019، حين تلقيت إنذارات وتهديدات على وسائل التواصل الاجتماعي، ومكالمات تهددني بالترحيل عن مصر، بعدما أصدرت دار ابن رشد التي أملكها مع مجموعة من الورثة كتابين أثارا جدلاً كبيراً، وحققا مبيعات كبيرة، وهما كتاب “قبل تشييع الجنازة” لسعد القرش، وكتاب” أرواح على الهامش” لخيري حسن.

كتاب سعد القرش يتناول مسألة موت الصحافة المصرية وعسكرة المؤسسات الصحافية وأزمة الورق والشللية داخل المؤسسات، ورؤساء التحرير وعلاقتهم مع الدولة.

هذا الكتاب أحدث ضجة كبيرة لدرجة أن رئيس اتحاد الناشرين المصريين اتصل بي وطلب مني نسخة من الكتاب بطريقة غريبة، تعني أن ثمة أشخاصاً من جهات أمنية يسألون عن هذا الكتاب. وقال لي بطريقة استنكارية، إلى أين أنت ذاهبة بهذه الاصدارات؟ بمعنى أنني بالفعل دخلت عش الدبابير بسبب إصداري هذا الكتاب”.

جاء إصدار كتاب “أرواح على الهامش” الذي أحدث ضجة كبيرة أيضا، وهو عبارة عن تحقيقات صحافية تبحث عن أولئك المهمشين الذين تم وأد تجاربهم وتضييق الخناق عليهم وعلى إبداعاتهم، نتيجة عدم ارتباطهم بالدولة بسبب أرائهم السياسية والفكرية، مثل الشاعر زكي عمر، وهو شاعر من شعراء اليسار المصري في مدينة المنصورة والكاتب الحقيقي لأغنية “مدد مدد شدي حيلك يا بلد”. والكتاب يثبت بالمستندات أن أغنية “مدد” سُرقت ملكيتها لمصلحة الشاعر إبراهيم رضوان، وتم تهميش زكي عمر عمداً لأسباب كثيرة أغلبها سياسية.

هذا الكشف بالطبع أغضب الشاعر إبراهيم رضوان الذي نفى فى الصحف ووسائل الاعلام التهمة الموجهة اليه، وبدلاً من أن يتوجه إلى القضاء لإثبات صحة كلامه ومقاضاتي، ظل يهددني بالترحيل والوشاية ضدي أمنياً بشكل علني وواضح أمام الناس وعلى صفحات التواصل الاجتماعي”.

آخر أحداث 2019 ومشكلاتها أنني تضامنت مثل المصريين جميعاً مع أحداث أيلول/ سبتمبر ضد الغلاء وفوجئت بناشر مصري يهددني بأن يشي ضدي لدى الأجهزة الأمنية بأنني جاسوسة ومُطبّعة. وبسبب هذه الوشايات بدأت الدولة المصرية فتح ملفي السياسي الذي أفتخر به- فأنا مشاركة في ثورة يناير وعضوة في حركة “كفاية” ونشيطة مثلي مثل المصريين، لأنني أعتبر مصر بلدي وبلد أجدادي ولست فلسطينية وحسب”.

تقدمت عام 2019 بطلب للحصول على إقامة لمدة ثلاث سنوات باعتباري مستثمرة في مصر- قبل ذلك كنت أحصل على إقامة لمدة عام فقط- لكنني فوجئت بتعسفات و تأخير في إصدار الإقامة وصلت إلى 8 أشهر، وخلالها كنت أتلقى مكالمات أشبه بتهديدات، بأن يتم ترحيلي واعتقالي، وبالفعل بعدما تم احتجازي لساعات علمت بأن ما حدث معي وشاية ضخمة جداً قام بها أحد الناشرين وكاتب كبير سرق إبداع كاتب آخر مهمش”.

يبدو أن عام 2017  شكل ذروة نجاح دار ( ابن رشد)  ونهاية العام كان بداية انزلاقها أيضاً، مع بداية انزلاق مصر وتضييقها على حرية الفكر والإبداع وحبس الناشرين وأصحاب المكتبات، مثل اعتقال الناشر المصري خالد لطفي صاحب “مكتبة تنمية” ومنع شركائه من المشاركة في معرض الكتاب، ومنع كتب بلال فضل القديمة من إعادة الطبع والتوصية بعدم طبع أي إصدار جديد له، وبدأت المضايقات تتجه صوبي وصوب دار ابن رشد.

كان قيام الثورة المصرية جسراً مفصلياً في حياتي بين انتهاء مسيرتي  في مجال الصحافة وبداية التأسيس لحلم صناعة الكتب، حيث شاركت في الثورة المصرية من 2011 حتى 2013، وبعد 2013 قررت أن أحقق حلماً كنت أتمناه منذ الطفولة، أن أؤسس دار نشر وأصبح صانعة كتب، وبدأت مع شريكي في الدار الراحل أحمد إبراهيم، بإمكانات متواضعة، بخط التنوير والقضايا العلمانية وحقوق النساء، وكنا محظوظين أن أول كتاب فكري تنشره الدار كان كتاباً جديداً لنوال السعداوي.

عام 2014 أصبحت الدار معروفة أكثر. ففيما كان سوق النشر المصري أغلبه غارقاً في إنتاج الروايات، كنت مقتنعة بأن هذه موضة وستنتهي والناس يبحثون عن الرواية من أجل الهروب من الواقع إلى الخيال”.

تلك التهم التي وجهت لي غير حقيقية حيث كل الكتابات الخاصة بي هي كتابات سياسية عن الصراع العربي الإسرائيلي، وعن صفقة القرن التي بلينا بها منذ عام ٢٠١٨ وتم الترويج لها بكل الوسائل، وعن سياسات التطبيع التي كانت تتشكل في دول الخليج مع العدو الصهيوني وعن رفضنا لاي وطن بديل لا سيناء ولا جنيف، بجانب الكتابات عن السياسات التمييزية ضد اللاجئين الفلسطينيين لمواجهة قرارات الضم والفصل العنصري والأسري من قبل دولة الاحتلال، بجانب دفاعي عن مصرية الجزيرتين (تيران وصنافير ).. تلك الأمور هي التي شكلت الأسباب الحقيقية لقرار إبعادي عن مصر. بجانب ترويجي لكتب تنويرية تعمل علي قراءة نقدية لخطاب الإسلام السلفي ونقد للإسلام السياسي.

تعد عملية ترحيلي القسري عن مصر حلقة ضمن سلسلة ترحيلات، بدأت مع تغيّر سياسات الدولة المصريّة، في تعاطيها مع اللاجئين الفلسطينيين، منذ العام 1978، حيث كانت لحظة اغتيال الكاتب والوزير المصري الأسبق يوسف السباعي في العاصمة القبرصية لارناكا على خلفية زيارته للكيان الصهيوني مع الرئيس الأسبق أنور السادات ومواقفه المؤيدة والمروجة للتطبيع المصري الصهيوني، مفصليّة، في انقلاب مصر بتعاطيها مع وجود الفلسطينيين على أراضيها. وأغلقت على إثرها كل النشاطات الخاصة بمعظم الفصائل الفلسطينية، وأغلق اتحاد طلبة فلسطين، واتحاد كتاب فلسطين، وأبقى على اتحاد عمال فلسطين واتحاد المرأة فقط، على أن يتم التعامل مع الدولة المصرية على أساس العمل الخيري .

بدأت أعداد اللاجئين الفلسطينيين في مصر تتناقص، إمّا بسبب الهجرة بشكل طوعي هرباً من التضييق الأمنيّ، وخصوصاً في حقبة الرئيس حسني مبارك في الثمانينيات التي أدّت إلى نزيف فلسطيني نحو دول الخليج والمغرب العربي وسواها، إلّا أنّ الترحيلات الفرديّة المباشرة، تحت عنوان ” الخطر على الأمن العام” أو مصطلح “قانون الطوارئ الذي دخل حيّز التنفيذ منذ 1982، يبدو وكأنّ له أثر المشروع الممنهج للتخلّص من الوجود الفلسطيني على الأراضي المصريّة. طبقا لقانون الطوارئ الذي كان يسمح لأجهزة أمن الدولة، أن لا يمنحوا الإقامة ولو كان طالبها الفلسطيني مستوف لكافة موجباتها الورقيّة، لأنّ قرار منح الإقامة يرجع حصرا لوزير الداخلية !!

بيسان عدوان

صحافية وناشرة فلسطينية

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

الآراء التي تأتي فى إطار مقالات الرأي تعبر عن صاحبها، ولا تمثل بالضرورة آراء الموقع وسياساته التحريرية

أحدث الموضوعات:

4 تعليقات
  1. رامي كمال عدوان يقول

    الاخوة في الموقع المحترم،

    أرجو التكرم بتصويب المقال حيث أن الكاتبة بيسان ليست ابنة أو حفيدة الشهيد كمال عدوان راجين توخي الدقة مستقبلا وعدم الزج بأسم الشهيد دون وجه حق لأجل الأاثارة واستجلاب قراء، وقد تم اعلام السيدة بيسان سابقاً بعدم تقديم نفسها بهذه الصفة.

    وأقبلوا فائق الاحترام،

    أسرة الشهيد كمال عدوان
    عنهم/ ابنه رامي كمال عدوان

    1. موقع الشادوف يقول

      نشكركم على الرد
      ونؤكد أن طلب التصويب من حقوق القاريء،
      لكن المقال يخلو من أية إشارة الى أن الكاتبة المحترمة ابنة أو قريبة الشهيد كمال عدوان.
      ونؤكد لكم ولقراء الموقع الأعزاء، أننا لا نستهدف من النشر الإثارة أو ما شابه، كما ورد فى الرد من جانبكم.
      لذا، نرجو منكم قراءة المقال مجددا، والاشارة الى الفقرة التي ربما لم نلاحظها نحن، والتي أشارت فيها كاتبة المقال الى صلة قرابة تربطها مع الشهيد كمال عدوان. وسوف نقوم بالتصويب إذا اقتضى الأمر ذلك.
      وتقبل تحياتي.
      إدارة موقع الشادوف

  2. بيسان عدوان يقول

    الي اسرة الشهيد كمال عدوان الكرام هذه المقال ليس بها أي اشارة للشهيد كمال عدوان وان كان الشهيد خال ابي مما يعني أنني اكمل مسيرة الشهيد وكل شهداء فلسطين نحو تحرير كامل التراب الفلسطيني من النهر الي البحر واعتقالي او ترحيلي ما هو الي مسيرة نضالية بدأها كل شهداء فلسطين منذ ١٩٤٨ حتي يومنا هذا المجد للشهداء والاحرار من يقولون لا للاستبداد والظلم والاحتلال في فلسطين وكل عالمنا العربي . ورحمة الله علي ابي المناضل المبعد من فلسطين المحتلة والأردن ولبنان ومصر

  3. احمد عدوان يقول

    بنت عمي المناضل جهاد عدوان نتشرف بإكمال مسيرته على خطى خالنا الشهيد كمال عدوان نحو تحرير فلسطين.

    سرد موفق للكاتبة المتالقة بيسان كما عودتنا دائما في تناول معاناة الفلسطينيين وتهجيرهم في كل اصقاع الارض من قبل الاحتلال الاسرائيلي.
    ستبقى مصر الحضن الدافئ والعمق العربي الاصيل للشعب الفلسطيني، وكلي ثقة بالرئيس عبد الفتاح السيسي ان تكون عودتك الى مصر قريبة وتستقبلينا كسفيرة للفلسطينيين على ارض الكنانة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار