د. عطية عدلان يكتب:التطبيع خيانة وإهانة

0 64

لا زلت أتذكر كلمات شاعر أطلقها بعد زيارة السادات للكنيست وهيجان العرب: “اسمعوني قبل أن تفتقدوني يا جماعة، لست كذابا فما كان أبي حزبا ولا أمي إذاعة، كل ما في الأمر أن العبد صلى اليوم في القدس وحده وأن الجماعة سيصلون جماعة!”

وبالفعل؛ لم تلبث إلا قليلاً تلك الكيانات الفارغة حتى تهاوت كلها على مائدة “مدريد” ثمّ توالت الانتكاسات والنكبات السياسية؛ حتى صارت إسرائيل متربعة وحدها على عرش الشرق الأوسط وعلى كنوزه وخيراته، بينما تموج بلادنا من حولها بالفتن والمحن والضغائن والإِحَن، إنّه قطار التطبيع الذي يمضي اليوم بكل سرعة ليلتهم ما بقي من عواصم الأعراب.

والمدلسون من المشايخ يسوغون التطبيع بزعم أنّ الصلح جائز، وهذا تدليس وتلبيس، فما يجري لا علاقة له بالصلح والهدنة، التطبيع شيء وما سمي في الفقه الإسلاميّ بالهدنة أو الصلح أو الموادعة شيء آخر مختلف،

فأمّا الهدنة فهي جائزة باتفاق الفقهاء، لكنّ الفقهاء جوزوها بشروط أربعة لم يتوافر شرط واحد منها في أيّ معاهدة من معاهدات السلام العربية-الإسرائيلية بدءا من كامب ديفيد وانتهاء بأوسلو، بما يعني اتفاق العلماء على أصول تقضي ببطلان هذه المعاهدات كلها، وهذا يقين لا ريب فيه.

وبرغم بطلان معاهدات السلام التي أبرمت مع الكيان الصهيونيّ، فإنّها بالنسبة للتطبيع مجرد وسيلة ومركبة توصل إليه.

إنّ التطبيع هو جعل العلاقة بين الأمة الإسلامية وبين العدو الصهيونيّ المحارب الذي يحتل الأرض الإسلامية ويطرد منها أهلها ويحتل المقدسات الإسلامية الكبرى، ويقبع في خاصرة الأمة متربصا بها الدوائر؛ علاقة طبيعية يعترف كل طرف فيها بالآخر.

علاقة من خلالها يتغلغل العدو الصهيونيّ في حياتنا السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية والإعلامية والتربوية؛ حال كونه محاربا ومعاديا ومتربصا بالإسلام والمسلمين الدوائر ورابضا في كبد الأمة يحقق مآرب أعدائها.

ويتذرعون بالمصالح والمفاسد! وأيّ مصلحة ترتجى من التطبيع مع من تلطخت أيديهم بدماء المسلمين ولا تزال، وأي مفسدة أشد من السماح للصهاينة بالتغلغل في الحياة الإسلامية لإفسادها، دعك من هؤلاء المفتونين الذين يوردون الآيات في غير ما ورد فيها، واستمع لصوت العقل والشرع.

 

الدكتور عطية عدلان

مفكر وأكاديمي مصري،

أستاذ الفقه وأصوله والسياسة الشرعية بجامعة المدينة العالمية بماليزيا سابقاً،

من مؤلفاته: الأحكام الشرعية للنوازل السياسية،

وموسوعة القواعد الفقهية للمعاملات المالية

 

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن الموقع وسياساته التحريرية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.