عماد صابر يكتب: قضايانا العربية العادلة بين الحدثين..الأصغر والأكبر !

حدثان سياسيان وعمليتان فدائيتان سيطرتا على المشهد العام في منطقتنا والعالم في الأسبوع الماضي.

( الحدث الأصغر )، بالمعنى السياسي لا الشرعي الاسلامي، هو اجتماع النقب الذي ضم وزراء خارجية أميركا واسرائيل مع مصر والامارات والمغرب والبحرين، وهو ربما ما شد الانتباه عن ( الحدث الأكبر) المتمثل فى الغزو الروسي لأوكرانيا وتطوراته وتداعياته على المنطقة والعالم.

أما العمليات الفدائية، فهما عمليتين فلسطينيتين تم تنفيذهما في أقل من أسبوع واحد:


الأولى: يوم الثلاثاء 22 مارس 2022 : طُعن 4 إسرائيليون في بئر السبع فى النقب.(جنوب فلسطين المحتلة)والثانية: عملية الخضيرة فجر الاثنين 28 مارس 2022 والتي أسفرت عن مقتل 2 من عناصر شرطة الاحتلال ( شمال فلسطين المحتلة).

■ أولا:- اجتماع النقب (قمة المطبعين) وأكاليل الورود على قبر مؤسس اسرائيل”ديفيد بن غوريون”

1- إقصاء السلطة الفلسطينية دبلوماسيا عن القمة، ويشارك في الإقصاء مطبعون عربا، وهو ما يمثل إقصاء للقضية الفلسطينية برمتها واستفزازا صارخا لكل العرب والمسلمين.

2- تحاول أمريكا بكل ما أوتيت من قوة عبر وزير خارجيتها “أنتوني بلينكن” حشد الدعم العربي ضد الاحتلال الروسي لأوكرانيا، متجاهلا القضية الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وترسيخا لتعدد المعايير الغربية تجاه احتلال الشعوب.

3- محاولة أمريكا الضغط عربيا على روسيا و إيران في الساحة السورية ( وقد سبق ذلك استقبال الامارات لبشار الأسد).من أجل هذا الغرض. في ظل التوسع الايراني باتجاه مدينة القامشلي ومحافظة الحسكة (مناطق نفوذ الأكراد) ومناطق التواجد الأمريكى شمال سوريا. تحاول أمريكا اللعب بملف القبائل العربية في هذه المنطقة في مواجهة إيران من خلال الدعم المقدم عربيا لهذه القبائل.

4- رغبة إسرائيل في عدم تغيير قواعد الاشتباك مع إيران في سوريا، بمعنى استمرار اسرائيل عملياتها في سوريا بقصف مواقع لإيران أو ملشياتها داخل الأراضي السورية كما هى معتادة، من دون رد ايراني. وكذلك عدم تجاوز ايران الخط الأحمر في كمية ونوعية السلاح الذي يتم تمريره لحزب الله. تلك كانت قواعد الاشتباك المعمول به منذ وقت طويل.

5- في المقابل إيران من جهتها غيرت قواعد الاشتباك تلك، حيث أصبح القصف الإسرائيلى على أهداف إيرانية في سوريا يُقابَل بقصف ايراني لأهداف إسرائيلية في شمال العراق كما حدث أخيرا (قصف مكتب للموساد في أربيل – محيط القنصلية الامريكية 14مارس).

■ ثانيا: عمليتان فلسطينيتان في أقل من أسبوع. هذه العمليات تتضمن مجموعة من الدلالات من بينها التالي:

1- هما عبارة عن رسالة مفادها: لا إقصاء للفلسطينيين ولاسلام في الشرق الأوسط من دون حل القضية الفلسطينية.

2- العملية الأولى وقعت في جنوب فلسطين المحتلة، والثانية في شمالها وهي رسالة أن الشعب الفلسطيني كله من شماله لجنوبه لن يتخلى عن قضيته بما فيهم عرب 48.

3- محاولة ربط شرعية المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الاسرائيلى بشرعية المقاومة الأوكرانية ضد الاحتلال الروسي. (فكلاهما احتلال). وهذا جزء من معركة الوعي.

4- تحاول اسرائيل اعلاميا ومخابراتيا ربط العمليتين بتنظيم الدولة داعش بهدف:
أ- التغطية على فكرة ( احتلال ومقاومة) في هذا التوقيت تحديدا الذي تتصدى فيه أمريكا والغرب للاحتلال الروسى لأوكرانيا ، وتدعم المقاومة الأوكرانية بكل الوسائل.
ب- تحاول اسرائيل بث الفرقة بين فصائل المقاومة عبر الترويج لظاهرة داعش داخل صفوف المقاومة بشكل عام، لتمرير مخططاتها تحت ذريعة الملف الأمني.
ج- وصف مقاومة فلسطيني(عرب 48 ) داخل اسرائيل بالدواعش، لفصلها عن باقي فصائل المقاومة في الضفة وقطاع غزة، خصوصا بعد دخول عرب 48 على خط المقاومة في أحداث غزة الأخيرة على خلفية (اقتحام القدس وأحداث حي الشيخ جراح) هذه الأحداث التي أبرزت بشكل واضح مفهوم( شعب واحد ومصير واحد وعدو واحد).. ومن جهة أخرى تحاول اسرائيل أن تخلط الأوراق لإرساء فكرة ( دولة.. تحارب الإرهاب ) لا أكثر ولا أقل.

5- من المرجح أن العمليتين جاءتا تماشيا مع رغبة بعض الفلسطينين للتصعيد في هذا التوقيت لربط الملف الفلسطيني بالملف الأوكراني.

■ ثالثا: الحسابات المعقدة:
1- تقوية النفوذ الإيراني في سوريا يعني تقوية حزب الله والمقاومة الإسلامية في فلسطين.
2- أضعاف النفوذ الإيراني في سوريا يعني تقوية النفوذ الروسي، فالأول يلقى قبولا اسرائيليا بينما الثاني ترفضه أمريكا بالمطلق فهى تحاول طرد روسيا من مناطق النفوذ الأمريكي وحشرها في مياهها الباردة.

3- مزيد من التصعيد الإيراني في المنطقة يصب في مصلحة روسيا فهو يخفف الضغط عنها في حربها مع أوكرانيا.

4- التصعيد الفلسطيني لربط القضية الفلسطينية بالقضية الأوكرانية سلاح ذو حدين وهو مرتبط بحجم التغيير الذي سيطرأ على قواعد النظام العالمي بمعنى:
(أ)- فى حال نجت روسيا في احتلال أوكرانيا كما احتلت من قبل القرم وقبلة اقليمين في جورجيا، فهذا سيشجع الصين على ابتلاع تيوان، وهنا نصبح أمام قواعد جديدة للنظام الدولى تقوم على مبدأ فرض الواقع بالقوة.. هذه المعادلة الجديدة قد تغرى اسرائيل وتفتح شهيتها لابتلاع غزة وهذه المرة سيكون بدعم روسي وصيني فهما من غيرا قواعد النظام والقانون الدولى ( والمبررات لن تنتهي).
(ب)- قد يكون التصعيد الفلسطيني الآن مفيدا في تغير قواعد الاشتباك كما فعلت إيران في سوريا، وكما فعل حزب الله في لبنان عبر فتح ممر لجلب السلاح بمنطق ممر السلاح المفتوح. وعودة عناصره لمناطق الحدود مع اسرائيل.. ولكن هذا التصعيد سيخدم روسيا أيضا بطريقة غير مباشرة اذ أن مزيدا من التصعيد في الشرق الأوسط سيخفف الضغط عن روسيا في حربها على أوكرانيا.. وقد يشتد الضغط العربي والأمريكي والاسرائيلى على ايران في سوريا- فالكل يملك أوراق قوة في سوريا- وهنا قد تعجز ايران عن دعم المقاومة الفلسطينية في غزة اذا ما اشتد عليها الضغط في سوريا.

الخلاصة

خيار تصعيد المقاومة الفلسطينية قد يبدو مفيداً وسلساً وسهلاً. فهو سيغير قواعد الاشتباك، وستدخل كل عناصر المقاومة على خط التصعيد خصوصا الفلسطينيين داخل أراضى 48، وسيوف يتوحد الصف الفلسطيني تحت شعار (شعب واحد ومصير واحد وعدو واحد). ولكنه أيضا يبقى خيارا محفوفاً بالمخاطر، فلا أحد على ظهر البسيطة يمكنه معرفة ما ستنتهي إليه الأمور في الساحة الأوكرانية.. لذلك الجميع يحاول الأن تسكين الأوضاع في انتظار ما سيتمخض عن الحرب الروسية الأوكرانية وانعكاساتها على قواعد وقوانين النظام الدولي التى يعاد تشكيلها الآن.. فكلا الطرفين سواء الاحتال الصهيونى أو المقاومة كلاهما يحاول تسكين الوضع على ما هو عليه ولكل مبرراته. لأن أي اختيار سيكون فيه مجازفة كبيرة.

د. محمد عماد صابر

سياسي وبرلماني مصري

من نواب برلمان الثورة 2012 

*********************************************************************

الآراء الواردة فى المقال تعبر عن صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن موقع الشادوف أو تمثل سياساته التحريرية

المشاركات الاخيرة

الشرق الأوسطالقضية الفلسطينيةتحليل سياسيمحمد عماد صابرمصرمقال رأي
Comments (0)
Add Comment