كواليس الغضب الأمريكي المكتوم تجاه السيسي.. وكيف ترضخ القاهرة لضغوط واشنطن!

تشهد العلاقات المصرية الأمريكية خلال الشهور الماضية حالة غير مسبوقة من الغضب المكتوم بين الجانبين، وتثير التوقعات في القاهرة وواشنطن أن هذا الغضب الذي يتم احتوائه دوما بشكل سريع وغير معلن بسبب المصالح الاستراتيجية التي تربط الجانبين، يوشك على الانفجار في أول أزمة علنية مفتوحة، كما يؤكد مراقبون.

ويصف أحمد حسن الشرقاوي رئيس الحزب الشعبي الديمقراطي المصري المعارض حالة العلاقات المصرية – الأميركية منذ انتخاب جو بايدن وتسلمه مهام الرئاسة في واشنطن في يناير من العام 2021 بأنها ” لعبة شد الحبل ” بين الجانبين وسط تذمر أمريكي شديد من نظام السيسي بسبب ملف القاهرة المشين في مجال حقوق الانسان.

ونبه الشرقاوي، وهو نائب سابق لمدير وكالة الأنباء الرسمية الحكومية المصرية ( أ.ش.أ)، الى أن ما نشر عن المقابلة التي جمعت بين السفير الأمريكي في القاهرة جوناثان كوهين مع جمال مبارك نجل الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، يأتي في إطار التلويح للسيسي بوجود بدائل أخرى يمكنه الرهان عليها، وهو التلويح التي يرى الجانب الأمريكي أن نظام السيسي يأخذها على محمل الجد الشديد.

وهناك العديد من المواقف الأخرى، وفقا للشرقاوي، التي ضغط فيها الطرف الأميركي على الجانب المصري عبر التلويح ببديل لرأس النظام الحاكم في مصر، بما في ذلك التلويح بإعادة الرئيس المصري الراحل محمد مرسي للحكم خلال فترة سجنه وقبيل قتله في محبسه على يد النظام المصري.

وأوضح الشرقاوي إن شهر مارس الجاري شهد أحد تلك المرات التي نجحت فيها الادارة الأمريكية في إجبار النظام المصري على الرضوخ لمطالبها خصوصا فيما يتعلق بالحرب على أوكرانيا وموقف القاهرة تجاه موسكو، وأن الأمر ظل سريا ولم يتم الكشف عن كافة جوانبه ، سوى في تلك المقابلة التي تم الاعلان عنها بين السفير الأميركي في القاهرة من ناحية وجمال مبارك من ناحية أخرى.

من جهتها، كشفت مصادر مصرية خاصة، أن السفير الأميركي لدى القاهرة، جوناثان كوهين، طلب لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قبل تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة على مشروع قرار أممي يقضي بشجب “العدوان على أوكرانيا”، ويدعو روسيا لسحب قواتها فوراً من هذا البلد، وهو التصويت الذي حصل في الثاني من شهر مارس/آذار الحالي.

وأكدت المصادر أن كوهين التقى بالفعل السيسي في اليوم السابق للتصويت الأممي، في الأول من مارس، وطلب منه صراحة، تبني الموقف الأميركي والتصويت لصالح القرار، مؤكداً أن لا مجال للمناورة في ذلك، وأن واشنطن “لن تتساهل مع أي محاولة للتملص من الاصطفاف في معسكرها في مواجهة موسكو بالأمم المتحدة”.

لقاء السيسي وكوهين


وقالت المصادر إن السيسي من جهته “أعرب للسفير الأميركي عن تفهم مصر لموقف واشنطن، لكنه أعرب في الوقت ذاته عن خطورة تبني مصر لموقف معاد لروسيا، في ظل ارتباط القاهرة بمصالح حيوية مع موسكو، تتمثل في ملفات عدة، منها الاقتصادي، ومنها السياسي”.

وأضافت المصادر أن الرئيس السيسي “أكد أيضاً للسفير الأميركي، أن مصر تحتاج في الوقت الحالي إلى مساعدات عاجلة في ظل الظروف الحالية، منها ما هو اقتصادي، حيث إنها تعتبر أكبر مستورد للقمح في العالم، وأن 80 في المائة من إجمالي ما تستورده من الأقماح، مصدره روسيا وأوكرانيا”.

ولفت السيسي إلى أن الحرب في أوكرانيا أثرت كثيراً على واردات القمح، وأن المخزون الاستراتيجي للبلاد، يكفي فقط لستة أشهر، وذلك بالإضافة إلى الارتفاع الرهيب في أسعار البترول والتي أثرت أيضاً على ميزانية الدولة بالإضافة إلى القمح. كما تحتاج مصر، بحسب ما أبلغ السيسي كوهين، “إلى مساعدة سياسية، وتتعلق بضرورة دعم موقفها في أزمة سدّ النهضة الإثيوبي، إضافة إلى دعم مطالبها المتصلة بالأزمة الليبية، والتي تتركز في ضمان حصولها على حصة في إعادة الإعمار”.

وقالت المصادر إن “حديث الرئيس المصري في المقابلة، أثار حفيظة السفير الأميركي، الذي أكد أكثر من مرة خلال اللقاء، أن بلاده تنتظر من أصدقائها الآن الوفاء بالتزامات تلك الصداقة دون مناورة، والتصويت لصالح قرار إدانة روسيا، ودفعه إلى إنهاء اللقاء دون الحصول على تعهد من الرئيس المصري بدعم القرار”.

وكشفت المصادر أيضاً أنه في سبيل احتواء غضب السفير الأميركي بعد لقاء الرئيس المصري، اجتمع مدير المخابرات العامة في مصر اللواء عباس كامل بالسفير، في اليوم التالي للقاء الأخير والسيسي، وذلك صباح يوم التصويت في الأمم المتحدة، مؤكداً له “موقف مصر الثابت تجاه العلاقة مع الولايات المتحدة، وحرصها الدائم على هذه العلاقة، مع وعد بالتصويت لصالح القرار باجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة”.

وقالت المصادر إن البعثة المصرية في الأمم المتحدة، كانت قد حصلت على توجيه من وزارة الخارجية، بالامتناع عن التصويت، وأن المندوب المصري لدى الأمم المتحدة أسامة عبد الخالق أعد خطاباً في هذا الشأن، لكن بعد لقاء كامل وكوهين، جرى الاتصال به في اللحظات الأخيرة قبل التصويت، حيث طلب منه التصويت بالموافقة على القرار، وفي الوقت ذاته إصدار البيان الشارح الذي كان معداً في الأصل لشرح موقف مصر بالامتناع عن التصويت.

وأكدت مصر في بيانها على “ضرورة البحث عن حلّ سياسي سريع لإنهاء الأزمة عبر الحوار وبالطرق السلمية ومن خلال الدبلوماسية النشطة، وعدم غضّ الطرف عن البحث في جذور ومسببات الأزمة الراهنة”. كما أكدت “رفض منهج توظيف العقوبات الاقتصادية خارج إطار آليات النظام الدولي متعدد الأطراف. وضرورة أن تتحلى كل الأطراف بالمسؤولية الواجبة لضمان تدفق المساعدات الإنسانية لكل المحتاجين ودون أي تمييز، مع كفالة مرور المقيمين الأجانب بانسيابية عبر الحدود، حيث وردت بعض التقارير عن معاملات تمييزية”.

كما جدّدت مصر “التحذير من مغبة الآثار الاقتصادية والاجتماعية للأزمة الراهنة على الاقتصاد العالمي برمته”. وأكدت على ضرورة أن “تعتمد فعالية ومصداقية وقدرة آليات العمل الدولي متعددة الأطراف في مواجهة التحديات والأزمات المتلاحقة على تناول كافة الأزمات الدولية وفقاً لمعايير واحدة وثابتة متسقة مع مبادئ الميثاق ومقاصده”.

واعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في ختام جلستها الطارئة، في 2 مارس الحالي، قراراً يشجب “بأشد العبارات” العدوان الروسي على أوكرانيا، ويطالب روسيا بالكف، فوراً، عن استخدامها للقوة ضد أوكرانيا والامتناع عن أي تهديد أو استخدام غير قانوني للقوة ضد أي دولة عضو. وطالب القرار روسيا بالسحب الفوري والكامل وغير المشروط لجميع قواتها العسكرية من أراضي أوكرانيا داخل حدودها المعترف بها دولياً.

وصوتت لصالح القرار 141 دولة، فيما صوتت خمس دول ضد القرار، وامتنعت 35 دولة أخرى. وكان القرار بحاجة إلى ثلثي الأصوات لاعتماده. وكانت الدول التي صوتت ضد القرار هي: روسيا، سورية، بيلاروسيا، إريتريا، وكوريا الشمالية. ومن بين الدول التي امتنعت عن التصويت: العراق، الجزائر، السودان، جنوب السودان، إيران، الهند، باكستان، كوبا، والصين.

وأعاد القرار تأكيد الالتزام بسيادة أوكرانيا واستقلالها ووحدتها وسلامتها الإقليمية داخل حدودها المعترف بها دوليا، والتي تمتد إلى مياهها الإقليمية. وأعرب عن قلق بالغ إزاء التقارير التي تفيد بوقوع هجمات على مرافق مدنية مثل المساكن والمدارس والمستشفيات، وسقوط ضحايا من المدنيين، بمن فيهم النساء وكبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة والأطفال. كما أدان القرار إعلان روسيا زيادة جاهزية قواتها النووية.

وقبيل التصويت على القرار، شدّدت مندوبة الولايات المتحدة الدائمة لدى الأمم المتحدة، السفيرة ليندا توماس – غرينفيلد على ضرورة التصويت لصالح القرار. وأضافت أن بلادها اختارت الوقوف إلى جانب الشعب الأوكراني وهي تنسق مع حلفائها وشركائها لفرض عقوبات على روسيا ومحاسبتها على أفعالها.

وقالت توماس – غرينفيلد: “نعتقد أن هذا تصويت بسيط. صوّت بنعم إذا كنت تعتقد أن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بما في ذلك دولتك، لها الحق في السيادة وسلامة أراضيها. صوّت بنعم إذا كنت تعتقد أنه يجب محاسبة روسيا على أفعالها. صوّت بنعم إذا كنت تؤمن بالتمسك بميثاق الأمم المتحدة وكل ما تمثله هذه المؤسسة”.

وأكدت المصادر أنه “تحت الضغط الأميركي القوي، من قبل مندوبة واشنطن في الأمم المتحدة، من جهة، ومن قبل السفير الأميركي لدى مصر من جهة أخرى، وبعد لقاء الأخير بالسيسي وكامل، اضطرت القاهرة إلى تعديل موقفها والتصويت بنعم على القرار”.

شائعات حول “لقاء شرم الشيخ” !

وفي السياق، رجحت المصادر أن يكون تجنب الطرف الأميركي، نفي الشائعات التي تحدثت عن لقاء جمع كوهين بجمال مبارك، نجل الرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك، في أحد فنادق مدينة شرم الشيخ السياحية، جاء في إطار تخويف واشنطن للنظام المصري من إمكانية طرح بديل محتمل للسيسي.

وكانت شائعات قد انتشرت مشيرة إلى أن “اجتماعاً سرياً جمع نجل مبارك وكوهين، بعد التقارير التي تحدثت عن إمكانية طرح أحد أبناء مبارك (جمال وعلاء) كبديلين محتملين للسيسي، وخصوصاً في ظل تفاقم الأوضاع الاقتصادية، وحالة الغضب الشعبي المرجحة للانفجار في أي وقت، وهو ما يشكل قلقاً لواشنطن على وجه الخصوص، وللغرب عموماً”.

وردّاً على هذه التقارير، نشر أحد المواقع التابعة للمخابرات العامة المصرية تقريراً ينفي حدوث اللقاء بين السفير الأميركي وجمال مبارك في شرم الشيخ، وبرعاية رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، وأنه نقل سفير واشنطن بالقاهرة، إلى شرم الشيخ بطائرته الخاصة، ليجتمع مع مبارك بفندق يمتلكه رجل الأعمال المصري.

وبينما لم ينف أي من السفير الأميركي جوناثان كوهين، أو جمال مبارك، اللقاء، نقل الموقع المملوك للمخابرات، عن مصدر قال إنه مقرب من نجل الرئيس السابق، “نفيه تلك الأنباء”، وقال “إنها لا تمت للحقيقة بصلة، لا سيما أن جمال مبارك ابتعد عن الحياة السياسية منذ تنحي والده في عام 2011 عن منصب رئيس الجمهورية، ولا يفضل العودة إلى المعترك السياسي أو العمل العام مرة أخرى، بناء على دوافع شخصية، إلى جانب اهتمامه بالأعمال الخاصة بالأسرة التي يتولى الإشراف عليها مع شقيقه علاء، حيث يفضل علاء وجمال أن تظل الأسرة بعيدة عن المشهد السياسي في مصر، وبالتالي لا يوجد أي معنى أو سبب لاجتماع جمال مبارك مع السفير الأميركي”.

مكافآت الانصياع لواشنطن

ويؤكد مراقبون ان انصياع القاهرة لرغبات واشنطن تقابل بمزايا واضحة لإغرائها على الامتثال مجددا، ومن ذلك ما أعلنه قائد عسكري أمريكي منذ ساعات، وعقب أزمة تصويت الأمم المتحدة بشأن أوكرانيا ومقابلة السفير الأمريكي لجمال مبارك في شرم الشيخ، عن اعتزام واشنطن تزويد القاهرة بطائرات حديثة من طراز ( إف-15 )، ضاربة عرض الحائط بسجل القاهرة في مجال حقوق الانسان.

وقد أعلن جنرال أميركي رفيع المستوى، خلال جلسة استماع في الكونغرس، الثلاثاء، أن الولايات المتحدة تعتزم بيع مقاتلات متطوّرة من طراز “إف 15” لمصر، على الرغم من وجود هواجس لدى واشنطن على صلة بسجل القاهرة على صعيد حقوق الإنسان.

وقال قائد القيادة المركزية الأميركية، الجنرال فرانك ماكنزي، خلال جلسة استماع أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ: “بالنسبة إلى مصر، أعتقد أن لدينا أنباء جيدة، سنزوّد مصر بمقاتلات إف 15″، مشيراً إلى “مسار طويل وشاق تم اجتيازه” على هذا الصعيد. ولم يعطِ الجنرال أي تفاصيل حول الصفقة التي تتطلّب موافقة وزارة الخارجية. وحتى الساعة لم تبلّغ الخارجية الكونغرس بصفقة البيع هذه، وهي خطوة تقتضيها الصفقة.

من جهته، قال المتحدث باسم الخارجية الأميركية، نيد برايس: “لا نتحدث عن عمليات تزويد بالأسلحة أو بيع أسلحة إلى أن يتم إبلاغ الكونغرس بها”.

وفي يناير/كانون الثاني، أعلنت الخارجية الأميركية موافقتها على صفقتي بيع معدات عسكرية لمصر بقيمة 2.56 مليار دولار، تشملان طائرات نقل وأنظمة رادار، على الرغم من قلق واشنطن المستمر حول سجل القاهرة في مجال حقوق الإنسان.

وتضمّنت الصفقة الأولى، وقيمتها 2.2 مليار دولار؛ بيع مصر 12 طائرة نقل “سي 130 جيه سوبر هيركوليس” ومعدات أخرى تابعة لها.أما الصفقة الثانية؛ فتضمّنت شراء مصر أنظمة رادار للدفاع الجوي بقيمة 355 مليون دولار، لمساعدتها في التصدي للتهديدات الجوية.

وكانت الخارجية الأميركية قد علقت، في سبتمبر/أيلول الماضي، مساعدات عسكرية لمصر بقيمة 130 مليون دولار، على الرغم من ورودها في الميزانية، وذلك بسبب عدم تحقيق تحسن في وضع حقوق الإنسان في البلاد.

ويحض أعضاء بارزون في الكونغرس الإدارة الأميركية على الامتناع عن عقد صفقات عسكرية مع مصر أو تقديم مساعدات عسكرية لها ما لم تعمد القاهرة إلى تحسين سجّلها على صعيد حقوق الإنسان.

المصدر: الشادوف+العربي الجديد+صحف

المشاركات الاخيرة

Comments (0)
Add Comment